السيد محمد الصدر
265
فقه الأخلاق
لم يكن امرؤ منها في حيرة إلَّا أعقبته بعدها عبرة . ولم يلق في سرائها بطناً إلَّا منحته من ضرائها ظهراً . ولم تطله فيها ديمة رخاء إلَّا هتنت عليه مزنة بلاء وحيرة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة وإن جانب منها اعذوذب واحلولى ، أمر منها جانب فأوبى . لا ينال امرؤ من غضارتها رغباً ، إلَّا أرهقته من نوائبها تعباً . ولا يمسي منها في جناح آمن إلَّا أصبح في قوادم خوف . غرارة غرور ما فيها . فانية فان من عليها . لا خير في شيء من أزوادها إلَّا التقوى . من أقل منها استكثر فيما يؤمنه ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه وزال عما قليل عنه . كم واثق بها فجعته وذي طمأنينة إليها صرعته . وذي أبهة قد جعلته حقيراً . وذي نخوة قد ردته ذليلًا . سلطانها دول وعيشها رنق وعذبها أجاج وحلولها صبر وعذاؤها سمام وأسبابها رمام . حيّها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم . ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب وموفورها منكوب وجارها محروب . ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً وأبقى آثاراً وأبعد آمالًا وأعد عديداً وأكثف جنوداً . تعبدوا للدنيا أي تعبد وأثاروها أي إيثار . ثم ظعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع . فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفساً بفدية أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة ؟ بل أرهقتهم بالقوادح وأوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب ،